الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
160
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وجملة لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ جواب القسم المحذوف . وجرد الجواب من اللام الغالب اقترانها بجواب القسم كراهية اجتماع لامين : لام القسم ، ولام النافية . ومعنى الاجتماع : الاتفاق واتحاد الرأي ، أي لو تواردت عقول الإنس والجن على أن يأتي كل واحد منهم بمثل هذا القرآن لما أتوا بمثله . فهو اجتماع الرأي لا اجتماع التعاون ، كما تدل عليه المبالغة في قوله بعده : وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً . وذكر الجن مع الإنس لقصد التعميم ، كما يقال : « لو اجتمع أهل السماوات والأرض » ، وأيضا لأن المتحدّين بإعجاز القرآن كانوا يزعمون أن الجن يقدرون على الأعمال العظيمة . والمراد بالمماثلة للقرآن : المماثلة في مجموع الفصاحة والبلاغة والمعاني والآداب والشرائع ، وهي نواحي إعجاز القرآن اللفظي والعلمي . وجملة لا يَأْتُونَ جواب القسم الموطأ له باللام . وجواب ( إن ) الشرطيّة محذوف دل عليه جواب القسم . وجملة وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً في موقع الحال من ضمير لا يَأْتُونَ . و ( لو ) وصلية ، وهي تفيد أن ما بعدها مظنة أن لا يشمله ما قبلها . وقد تقدم معناها عند قوله : وَلَوِ افْتَدى بِهِ في سورة آل عمران [ 91 ] . والظهير : المعين . والمعنى : ولو تعاون الإنس والجن على أن يأتوا بمثله لما أتوا بمثله فكيف بهم إذا حاولوا ذلك متفرقين . وفائدة هذه الجملة تأكيد معنى الاجتماع المدلول بقوله : لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ أنه اجتماع تظافر على عمل واحد ومقصد واحد . وهذه الآية مفحمة للمشركين في التحدي بإعجاز القرآن . [ 89 ] [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 89 ] وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً ( 89 ) لما تحدى اللّه بلغاء المشركين بالإعجاز تطاول عليهم بذكر فضائل القرآن على ما